2017-01-10

أين الحب ـ الجزء 12


عندما كنت صغيرة كانت أحلامي ساذجة جدا، بحكم العالم المغلق الذي تربيت فيه، أقصى ما كنت أتمناه أن أسكن في مراكش ، كنت ومازلت أعشق أي شيء مراكشي، أتذكر يوم جاءت صديقتي سمية تجري نحوي أمام الاعدادية وهي تصرخ :
سمية : راه جابو الأستاذ ( وصلت أمامي ، وأكملت جملتها وهي تلهث ) جابو الأستاذ الجديد ديال السبور.
سلوى : اااوا .. كون غير باقي ماجابوه
سمية : يووووك يوك الحمقا، راه مراكشي .
سلوى( مسرورة ) : اربي ربي ؟؟
سمية : والله إلا سمعتو تايهضر بحال بلقاس وعبد الجبار لوزير.
منذها صار أستاذي المفضل بين كل الأساتذة ، فقط لأنه جاء من مدينة أعشقها حتى قبل أن أراها.. كان الأستاذ (نبيل) الحلقة الوحيدة بيننا وبين الحضارة .. على اختلاف نظرتنا لمدى روعتها أو ميوعتها؛ فهي تبقى مرغوبة الاستكشاف من طرف أبناء جيلي في القرية، خصوصا أن المحظوظين منا فقط من زاروا مدينة أكادير، وأحيانا كثيرة جدا كان بعض التلاميذ يتمنون مرضا لا يُشفيه مستوصف القرية و" فرامليته" فقط لكي يحظوا بشرف زيارة أكادير .. كان الاستاذ نبيل يحكي لنا كيف تنزل المياه من الصنبور بحركة بسيطة باليد وأنت في منزلك .. دون حاجة لارسال النساء لجلبه من عين تبعد عن القرية بثلاث ساعات مشيا على الأقل، وأن التيار الكهربائي لا ينقطع حتى في الصباح، ففي القرية كان التيار الكهربائي بمحركات تعمل بالبنزين، وقد كان جيلي محظوظا لحضور تدشينها قبل عام، ويصف لنا أن الطرقات تزينها الأضواء ولا تحتاج إلى قنديل لتخرج ليلا، لكأنها الجنة على الأرض، كنا منبهرين جدا بالمدن خصوصا أن ظاهرها يستمد روعته من التكنولوجيا التي كنا إلى حدود تلك اللحظات لم نر منها إلا "الفونو" جهاز نسمع منه أسطوانات عبد الجبار لوزير وبلقاس وعبد الرؤوف ونضحك ، رغم أنه هو الآخر من المتغيرات التي انتصر فيها فضول أبي على تشبته بالعادات فسمح به .. لحقه المذياع ثم التلفاز .. بتلك الأجهزة ننبهر أكثر بالمدن، فمن هناك جاءتنا .. أضواء المدن تبهر اهل القرى دائما، وتحجب عنهم ظلمات لا يرونها حتى يقتربوا من الأضواء أكثر ، كان أستاذي الرائع في كل حصة يحدثنا عن مراكش، عن عراقتها وأبوابها الثمانية عشر، مآثرها ومتاحفها ، و كان يحدثنا عن الحب، وكيف يجب أن يحافظ عليه الإنسان، كيف يجب أن يجعل حبه للآخر أولوية، و علمنا أن الديانات جميعها جاءت كي تنشر الحب بين البشر، أحببت حكاياته بلكنته المراكشية .. وأحببت تمرده على كل تقاليد القرية .. وذكاءه في تعامله معنا حتى كسرنا قيود الخجل التي رسبتها أعراف القرية فينا، لكننا ظللنا رغم ذلك نظهر للكبار ما أرادوا أن يروه فينا .. وكأن لا شيء تغير .. كان ينير عقولنا على أفكار لم نسمع بها من قبل.. وأقرب إلى دين الإسلام من أعراف القرية، استطاع أن يجعل كلمة حب سهلة النطق في ألسنتنا، سألنا ذات يوم ممطر:
الاستاذ نبيل : شكون هي أعظم قصة حب فالتاريخ فنظركم ؟
تلميذ 1: عنتر وعبلة
تلميذ 2: جوليو ورومييت .
ضحكنا فضحك التلميذ2، فضحك الأستاذ وصحح بكل أدب : روميو وجولييت .
ثم قال هؤلاء لم يتزوجوا في نهاية المطاف .. لكن أعظم قصة حب في التاريخ هي حب الرسول عليه السلام لعائشة .. فكان يسرد لنا سيرة الرسول عليه السلام من زاوية أحبها المراهقون أمثالي أكثر من طريقة أستاذ الإسلاميات ، أيامها قررت أن أجعل زوجي يحبني حب محمد عليه السلام لزوجته عائشة .. ثم أخبرنا أن الحب ليس فقط في حقبة الرسول صلى الله عليه وسلم بل في عصرنا أيضا، فحكى لنا قصة شاب يعرفه جيدا في مراكش .. وكيف انتصر هو وحبيبته في معركة الحب.. وتزوجا رغم أن عائلتاهما لم تكن تبارك ذلك الارتباط.. ذنبه أنه أحبها وهو فقير في عيون والديها .. وأنها مدللة في أعين والديه .. قبلت به زوجته (نِعمة) زوجا رغم فقره .. وأخبرته أنها مستعدة أن تعادي الدنيا أجمعها وتسلم في ثروة أبيها من أجله.. أما هو فكانت زوجته تغنيه عن العالم أجمع. استند على دعمها وتحفيزها حتى صار أستاذا وتم تعيينه في مراكش.. أيامها كان التعيين سهلا لوفرة المقاعد وخصاصها..
كان يتحدث عن تلك الفترة وكأنها أيام لن تعود يوما.. ثم تغيرت ملامحه تحسرا على ذكريات أخرى لم يحكها بعد، لحظتئذ علمت أن ذلك الشاب العاشق هو أستاذنا، بينما هو يحكي قاطعه المدير وأبي (دامحمد) ..
المدير : واش أ سي نبيل باقي ما بغيتيش تفهم واش انت استاذ تالتربية البدنية ماشي حلايقي ..
دامحمد: ( بحكم أنه شيخ القرية، يتدخل في كل شيء في سبيل أن لا يتغير أي شيء ) : السي نبيل أخر مراو نشوفكي تاتهضري مع الدراري بهاداكشي .
لم أخجل يوما من ضعف دارجة أبي ، لأنه أمازيغي وليس مُجبرا أن يُتقنها، يكفي أنه اجتهد حتى بلغ مستوى يتواصل فيه مع العربي. بينما العربي لم يهتم يوما بالتواصل مع مغربي مثله.
لكن ما يُخجلني حقا هو حشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة .. خصوصا عندما أجدني لا أوافقه الرأي. فمثلا الطريقة التي يُعامل بها أمي وكل النساء لا يمكن أن تكون شعيرة في دين الله .
يرد عليهما الأستاذ نبيل: لله لما شوف معايا واش ها التيرانات هادو تليق للتربية البدنية ؟؟ وانا عارف بلي انتوما عارفين ان فاش تااطيح الشتا مابقات رياضة، أنا حسن عندي نتعرف على تلامذي خارج الدراسة ونخلق معاهم تواصل على اني نصافتهوم لديروهوم .. ولكن ماتاتبغيوش الاستاذ يكون مصاحب مع تلامذو ، انتوما عزيز عليكم هير السلطوية.. حيت هي باش تربى الجيل ديالنا، واش هاذا مايكفيش أننا نبدلوه حنا اللي عانينا من تربية ناقصة؟؟
دامحمد : ماكانقبلش تبدلي والو عندي فالدوار . (يلتفت الى المدير ) : إينياس ايسين مايتيني د مايسكار نغد اتنصيفض سدار نس.
المدير : السي نبيل حشومة وعيب وعار انك تدوي لدراري مراهقين على الحب وانت اصلا مطلق مراتك. اشمن حب تاتدوي عليه؟
وذهب أبي والمدير بعد أن قضيا عليه أمام نفس المراهقين الذين كان للتو يزين لهم الحب.
كان قد طلق زوجته التي تعتني بابنهما الوحيد ، والسبب هو برودة المشاعر التي أثلجت منزلهما في الآونة الأخيرة، كل يوم تختلق زوجته نعمة ألف عذر ليتشاجرا ، وكان يصبر ويحاول أن يكون أبا صالحا، لكن تمادي زوجته جعلته يطلب انتقالا إلى أكادير، ولما أعطوه تافراوت لم يتردد في القبول..
- - -
بدأت علاقتنا تتطور شيئا فشيئا ، أخرجت سعدا من اكتئابه ورسمت البسمة على وجهه..تقاسمت مع سميرة أجرة الكراء.. وسكنت معها في منزل واحد.. فصار سعد يقضي معي جل وقته فيه .. أطبخ له وأغسل ملابسه.. استطعت أن أنسيه سلوى .. وجد في أفضل ملجأ ووجدت فيه حبي .. أعرف أن قلبه لازال ينبض بحبها لكني أفعل كل ما بوسعي لأتربع على قلبه وحدي.. فأهم ما يود الرجل من المراة هو الاهتمام فقط.. وهذا الذي سأكرس عمري كله من أجله .. لأن سعد بالنسبة لي هو الحياة .. فكيف أحيى من دونه وحبه أخرجني من الظلام الى النور .. وعلمي كيف أفك الحروف والأرقام، أحبه أكثر من نفسي... ننام في غرفة واحدة لكني لم أستطع أن أطلب أكثر من ذلك رغم أني أشتهيه كل ليلة .. أريده أن يرغب في هو .. لا أن أرتمي في حضنه كما كنت أفعل قبلا .. أما سميرة فتحاول من حين لآخر أن تتخلص من عالمها .. غير أنها تحتاج إلى حب يقتلعها من هناك .. فبغير الحب يستحيل أي تغيير مهما كان ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق