2017-01-19

أين الحب ـ الجزء 21


. . .
دخلت إلى القرية ووجدت أبي ينتظرني .. ففرحت لأن حدسي أصاب، ولم يكن يحتضر.. اقتربت منه لأسلم عليه، فإذا باليد التي كانت ستسلم تصفعني بقوة على وجهي..
وقال : إسكم سافضح اتغرت ، نيغد أيي تشوهت خ توزومت نميدن .. ؟؟؟
فعلمت أنها الحرب على الحب.. مع تلك الصفعة ازددت حبا لسعد، وإصرارا على أني سأجعلها قصة لا تُنسى.. وسأتزوج سعدا مهما حدث..
هي كلها أوهام حب قد صنعناه، هي كلها أضغاث حلم قد نسجناه، أنا الآن في فرنسا، بيهي يهتم بي جيدا ولا يتركني أشعر بأي خصاص، وجدته رجلا محترما، يعتني بي إلى أبعد حدود، ويوصلني إلى مدرستي كل يوم قبل ذهابه إلى العمل .. ربما يكون الجو العام هنا قد ساعده في تكوين شخصيته بهذه الأخلاق والأدب الراقي، وُلد بيهي في المغرب في عطلة الصيف، من أب أمازيغي مغربي(للي هو عمي)، وأم فرنسية أسلمت بعد ولادة بيهي بأسبوع، أنجبته أمه على الطريقة القروية حين كان والداه يقضيان العطلة في المغرب، لكنه كبر وعاش هنا في فرنسا، هو يكبرني ب13 يوما فقط.. لكنه أكثر رزانة مني.. جعلني أضحك وأبستم في أقل من ثلاثة أشهر، بعد الدمار الذي خلفه سعد في روحي بعدما خذلني.. فلو كان يحبني لما استطاع أن يبقى بعيدا عني شهرا كاملا وهو لا يعلم أحية أنا أم ميتة.. أتخيل فقط ماذا لو أن تلك الحافلة التي أقلتني إلى تافراوت ،ليلتها، انقلبت في تيزي نتيشكا.. هل كان من الصواب أن ينتظر شهرا ليعرف أني لقيت حتفي؟؟ تافراوت ليست بالفيزا. وهو ليس طفلا صغيرا، كان يمكنه أن يأتي منذ الأسبوع الأول حين لم أتصل به، حين لم يتوصل بأي خبر، سعد لم يكن يحبني.. كان عليه أن يعرف أن هناك خطب ما ويأتي بلا أدنى أعذار. بعد انتهاء شهر بحاله تأكدت أن سعدا لم يحبني يوما.. حسنا لم يعد يحبني، أما حين وقفت حاشية الطريق ووجدته غير موجود.. صار غير موجودا في قلبي أيضا.. وأحمد الله أن عوضني عنه ببيهي .. ذلك الرجل الشهم الذي أنساني سعد. هنا في باريس يمكنك أن تنسى حبيبك بسرعة، فهنا الوقت يجري، وتتزاحم الأحداث وتكثر مشاغل الحياة، هنا لا وقت لديك لتحزن أصلا، الجميع يسعى ليكون الأفضل.. ومع ذلك كانت ذكرياتي أقوى، لم أنسى غير أني أتقنت تمثيل النسيان، وأقنعت نفسي أن الحب مجرد فكرة اخترعها الإنسان ليلعب ويفرح ويخلق السعادة، تماما مثلما يخترع في كل مناسبة يوما عالميا لشيء ما أو ذكرى لحدث ما فقط كي يحتفل وينسي مآسيه.. أقنعت نفسي أن الحب مجرد إشاعة.. لم أستوعب ذلك إلا هنا.. أما هناك في المغرب فحتى حين صفعني أبي و أدخلني البيت ولم يسمح لي بالخروج أبدا ولو لشراء أتفه شيء من الدكان لم أستطع أن أفهم أن الحب للمراهقين فقط، وما أن تنضج حتى تفهم أن خططك كلها تكون حبيبتك في البداية.. وما إن يأتي القدر حتى تخونك معه في أول فرصة.. ولو فرشنا أمام أعيننا كل السيناريوهات التي كانت لتكون في حياتنا لوجدنا أن أفضلها تلك التي اختار لنا الله عز وجل .. فلربما كل تلك الأحداث التي جرت من البداية.. ماهي إلا رسالة ربانية لأفهم أن سعدا لا يستحقني، منذ جاءني هشام بصوره، ولما لم أستجب.. علم أبي قصتي مع سعد، فكذبت أمي علي لأعود فنسيت الهاتف وسجنني أبي في المنزل.. ربما كل هته الأحداث لأكتشف أن سعدا لا يحبني.. منزلنا كان كبيرا، ويطل على كل القرية، تتوسطه حديقة واسعة، ولديه أقواس كبيرة في كل جانب.. هذه الشساعة والجمالية التي كانت في منزلنا هي التي جعلتني أصبر شهرا كاملا على سجن أبي .. ولعلها تيسرت لي ظروف انتظاره شهرا كاملا حتى لا اجد عذرا واقول لو انتظرته اكثر من اسبوع مثلا.. صبرت شهرا على السجن وأنا التي تعلمت في مراكش أن أكون حرة حد الجنون .. حرة من كلام الناس، ومن تقاليدهم وأعرافهم وكل شيء يعنيهم ولا يعنيني.. كنت أمضي الوقت في قراءة الروايات .. أسافر عبر الكتب إلى كل أنحاء العالم، أتعرف على شخصيات كثيرة وأتفاعل معها، وكأنني أعرفها، وأتضامن مع بعضها في حين أكره البعض الآخر، حتى أني وضعت مذكرة بأسماء الشخصيات وصفاتهم لكل رواية.. خلقت عالما رائعا، يملأه الأمل كي لا أضيع الأمل في مجيء سعد .. كل الروايات هناك يتزوج أبطالها في آخر القصة وتكون النهاية سعيدة، فقلت أكيد أن نهايتي أيضا لن تختلف... غير أنها مجرد أوهام يصنعها الإنسان في خياله ليتفادى واقعا يعيش فيه.. لازال الإنسان أضعف من أن يتقبل واقعه.. لذا فهو يُقبل على أي شيء ينسيه مرارته.. وهؤلاء الكتاب يحصدون الأموال ببيع الأوهام للناس.. النهايات السعيدة..ستظل هناك.. في ذلك العالم الميتافيزيقي الذي سكن خيالنا، أما واقعنا فها أنا الآن في فرنسا وسعد هناك في مكان ما في المغرب بيننا بحار وجبال وجمارك.. أنا هنا وهو هناك ربما يجلس الآن مع إحدى الفتيات التي إما سيعيشان وهْماً جديدا يطلقون عليه الحب، أو سيتزوج ويقبل كل منهما بالآخر حتى آخر يوم في حياتهما، مثلما قبلت أمي أبي وقبل أبي أمي في القرية دون أدنى وعي منهما لمعنى كلمة "حب" هي تطيعه في كل كبيرة وصغيرة وهو يوفر لها الأكل والشرب تلك هي الحياة الزوجية.. خلاصة ما أؤمن به الآن: الحب مات يوم موت محمد صلى الله عليه وسلم..
ـ ـ ـ
كنت أعرف أن سعدا لن يعود مثلما ذهب مهما كانت النتائج، كنت أعلم أنه حتى وإن لم يجد سلوى فلن يعود إلي كما كان ..عاد منكسر القلب لكنه على الأقل هذه المرة يستميت في الدراسة، وكأنها دواءه لينسى حبه.. لا أعرف ما الذي يجول في عقله؟ .. غير أنه فعلا يدرس طول الوقت.. ليلا ونهارا ، لم يعد يذهب إلى السملالية، بل صار يدخل كل يوم إلى كلية الآداب ..تجده رفقة كتاب أينما رأيته ووقتما رأيته.. يقرأ أي كتاب في تخصصه .. أي كتاب ولو لم يسبق لأي أستاذ من أساتذته أن نصح به، لمجرد أن تكون فيه رائحة علم الاجتماع تجده اقتناه وقرأه ولخصه.. تحول إلى آلة تقتات على الكتب وكأنه يشغل خلايا دماغه عن أي شيء سوى الدراسة كي لا يفكر في سلوى، وصار من المميزين .. بعد ان كان لا باس به ...انشغل عني بالكتب، لم أعد اجده لاحضنه ليلا .. فبدأ حبي ينقص بإهماله لي .. لازلت أحبه كصديق رائع، على تواصل دائم به .. لكني لم اعد اشعر بتلك الرغبة الأولى فيه.. ربما لم اكن احبه .. بل هو مجرد إعجاب، فذلك العناق والاهتمام الاول جعلني اتوهم حبه فقط .. أنا الان مازلت أعمل في ذلك المطعم، لم أعد أقف أمام المراحيض، لقد صرت الان اوزع الأكل على الزبائن .. وصرت ألتقي بنوفل كثيرا في الأعمال الاجتماعية .. أشعر الان اني انسانة حية حقا .. أبي لازال للأسف يبيع التبغ فالبرانس، رغم أني أعطيه كل ما أحصل عليه من البقشيش، وأكتفي ب2500 درهم أجرتي الشهرية.. لا يمكنني أن أقنعه بما لم تقنعه الحياة والأيام والظروف بتغييره .. فأنا في رأيه مجرد بائعة جمال و لو أخبرته أني توقفت. طبعا هو لا يقولها صريحة، لكن ان تنصحه امرأة أولا ومثلي ثانيا فهذا ما لن يرضاه .. الرجال في بلادنا يرون أنفسهم دائما على صواب.. مهما أخطئوا أمام النسا.
ـ ـ ـ
نوفل : وايلي أصّاحْ ؟
جلال : راه اخويا مابان لي حتى شي حل اخر .. وثانيا راها تجربة مخيرة هاذي...
نوفل : اناعارفها تجربة ماتاتعاودش ، ولكن تانتعجب انك انت اللي غاتهاجر ولفين ؟ لفرنسا .. قبل عام من دابا كون شي حد قال لي راه جلال غادي يمشي لفرنسا يكمل قرايتو كنت غادي نضحك عليه..
جلال : أطلبو العلم ولو في الصين ..
نوفل : ههههه وراك ماشي هادشي اللي كنتي تاتقول
جلال : اه تاتغير اخويا الافكار مع الوقت .. اي قرار باش يكون صح .. خاص يكونو عندك كاع المعلومات اللي تاتوضح ليك الصورة عاد تاتخذ احسن قرار .. وممكن الواحد يكون مقرر قرار ومن بعد مني يجيوه معطيات جديدة يبدلو .. مثلا : تخيل معايا .. إذا وقفات بيك طاموبيل حدا شي غابة ، وخرج ليك سبع بين الشجربينك وبينو 300 مترو ، أو واحد الباب بعيد عليك بشي 200.. شنو غاتدير ؟؟
نوفل : غادي نجري ندخول لداك الباب .. نأخر الموت وصافي اما راه اش غايقضي الباب قدام سبع .
جلال: وإذا قلت ليك داك السبع ديال السرك ومدرب ملي تايكون فيه الجوع تايمشي ديريكت لهاذاك الباب تايدخل تم فين تايحطوا ليه اش ياكل..
نوفل : غادي طبعا نمشي لاي بلاصة أخرى إلا ندخول من داك الباب.
جلال : هذا هي مثال قلتو هير هاكاك وصافي ..باش تبان ليك الفكرة اخويا نوفل.
نوفل : فراسك كاع اللي منفتح على اراء الناس الاخرين تايبدل اراء ديالووو دغيا .. وهاذشي للاسف تايشوفوه الناس على انه ضعف ..
جلال : هو فعلا ضعف ..
أنظر اليه وأنتظره ان يكمل، فليس جلال من سيقول هكذا بالمجان..
جلال : اللي تايبدل المبادئ ديالو .. وتايبيع القيم ديالو بأرخص الاثمنة .. واللي ماعندو ساس علاش يوقف .. طبعا من منطلق ضعف مناش غيابدل الافكار ديالو ...
نوفل : صح وهاذي هي المعالة اللي ماتاتبيش تتفهم لشحال من واحد من الناس .. أني نكون إنساني انتصر للعرق البشري كيما با يكون ونبدل الاراء و الافكار ديالي فكل مرة بلا ما نبدل تإنسانية ديالي هاذي قوة .. لأن الضعيف إما تايامن بفكرة وحدة وتايرفض اي فكرة خرى بكثرة الخوف لا تأثر عليه .. إما تاتلقاه الريح اللي جا يديه.. قل لي إمتى أتمشي لفرنسا ؟؟
جلال : هاذ الايام إن شاء الله ..
نوفل : هي غاتخلي الدرك ديال العمل التطوعي كله علي ؟
جلال : مانخافش عليك اخويا .. أنت بالف واحد وانا تانعرفك مزيان
ذهب جلال وكلماته التحفيزية لاتزال حلقات في أذني أتذكرها كلما ضعفت .. إلى أن جاءت سارة وأصبحت تساعدني .. لديها طاقة إنسانية رائعة جدا تلك الفتاة .. أنا حقا أهتم لها.. لست خائفا من اهتمامي بها لكني مشوش .. لماذا الآن بعدما صارت كفؤة لي أشعر بهذا النوع من الميول؟ لماذا حين التقيتها أول مرة لم أر فيها حبيبة بل رأيتها إنسانة تحتاج إلى مساعدة.. أأكون أنا أيضا أعاني من مرض التعالي؟؟ حسنا لا أحد كامل ..
ـ ـ ـ
حصلت أخيرا إجازتي.. أعمل الآن على تحضير أوراقي لأذهب.. أرسلت آلاف الطلبات لعشرات الكليات هناك، لايهمني أي تخصص ولا أية كلية ولا أية مدينة... كل الذي يهمني أن ألحق بحبيبتي سلوى إلى فرنسا.. لا يهمني حتى أن يطلقها بيهي .. كل الذي أهتم له أن أراها وأطمئن عليها فقط.. فلم أستطع أن أرسل لها رسالة واحدة وهي على ذمة رجل آخر.. دائما أنظر في جدارها على الفايسبوك دون جدوى، فهي لا تحركه أبدا، حتى أنها لم تضع فيه أنها تزوجت .. طبعا لن تفعل فهي لا تحب بيهي وليست فرحة بزواجها ذاك.. لم تكن تنشر شيئا على جدارها، لذا وجب علي أن أذهب وأطمئن عليها.. جمعت أغراضي وبدأت أستعد لأسارفر إلى فرنسا حتى قبل أن تقبلني أية كلية... لأني سأذهب كسائح الآن ، وبعدما تقبلني كلية ما أذهب كطالب علم... ... سعد في المطار.. الاتجاه فرنسا. هذا ما وضع سعد على الفايسبوك .. رأيتها وقلت: أ الآن ياسعد؟؟؟ أبعد كل هذه المدة تقرر أن تأتي إلى فرنسا ؟؟ دابا صافي فات الفوت...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق