2017-01-20

أين الحب ـ الجزء 22



...
تمت دعوتي إلى القرية من طرف أبي وأخبروني أنه ينتظرني خبر سعيد.. خبر سعيد في القرية يعني أكيد أنهم اختاروا لي زوجة بين بنات القرية. لقد خططوا كما دائما يفعلون لبناء أسرة مثلما يخططون لبناء منزل.. وكأن المعنيين بالأمر مجرد طوب وحجر.. هكذا تعلموا في قريتنا أن يفعلوا منذ القدم، ولكن لماذا يصرون أن يتشبتوا بهذه التقاليد حتى مع شاب مثلي.. رغم أنهم يعلمون أني كبرت في المدينة.. لكن ربما لأنهم يعرفون رأيي في الحب.. فأنا مثل هشام لا نؤمن به.. وقد وعيت في وقت مبكر بعد المراهقة أنه مجرد إشاعة .. لذا لا فرق صراحة عندي إن اخترتها أنا أم اختارها أبي.. فغدا نلتقي ونعرف بعضنا.. أما الوجه فأراني أرقى من الاهتمام بالشخص فقط لأن لديه وجها جميلا.. ربما لأن الله لم يخلقني وسيما..فصرت لا أهتم.. وربما يكون هذا نتيجة خوف أن لا أجد من يهتم بي، فحين يرتبط الأمر بالوجه الوسيم أكون دائما أنا الخاسر، لذا فالروح أهم بالنسبة لي.. والعشرة تكفي لنستمر حتى الموت مثل كل أهالي القرية.. ذهبت إليهم وأنا أعرف مصيري.. وصلت فوجدت القرية كلها أضواء، حين تقام مناسبة في قريتنا يشعلون كل المصابيح في الشوارع، فتظهر لك القرية من بعيد كلؤلؤة تلمع وسط ظلام دامس تحيطه الجبال من كل ناحية.. دخلت القرية لأجدهم قد بدأوا الاحتفال بعرسي وأنا كضيف مدعو.. المحظوظة هي ابنة عمي.. هذا ما أخبرتني به أمي وهي تسلم علي وتبارك لي.. أتذكرها وهي صغيرة.. وأتذكر حين كنا نلعب "عريس أوعروسة".. يبدو أن اللعب لازال هو هو، الفرق فقط في السن.. ارتحت أنها هي.. فأنا أثق أيضا في ذوق أبي .. وأمي هي الدليل.. ألبسوني الجلباب الأبيض وزينوني بالروائح ... والجميع هنا يبارك لي.. لكن أغلبهم يلومني على تأخري في الزواج.. وأنا ابن الثامنة والعشرين.. فأبناء القرية هنا يتزوجون مبكرا..بل أحيانا قبل حتى أن يبلغوا السن القانوني.. تاتكون عندو مراتو وباقي كاع ماعندو لاكارط.. أما زوجتي فقد أخرها أهلها من أجلي.. أبي وأبوها كانا متفقين منذ البداية ، كما أنها ابنة المدينة ولم تكن لتقبل لهم قبل أن تصل إلى العمر العادي لبنات المدن... أنا أقبل كل هذا إرضاء لهم لكني أبدا لن أسمح أن يتكرر مع أبنائي... لم أر ابنة عمي منذ هاجرت هي وعائلتها إلى الدار البيضاء في العاشرة من عمرها.. وحين سألت أمي ماذا حل بها بعد ذلك، أخبرتني أنها تعمل في شركة كبيرة للتصدير والإنتاج في مراكش، يالسخرية الأقدار.. كنا نعيش في نفس المدينة ولم نلتقي يوما، لتأت تقاليد وتجبرنا على العودة إلى القرية حيث أصلنا لتجمعنا ونتزوج وكأننا لم نعرف بعضنا يوما، وذنبنا الوحيد أننا ولدنا فيها، سألت أمي كيف قبلت لهم هذه التقاليد وهي تعتبر ابنة المدينة.. أجابتني مثلما قبلت أنت.. أنتما باران بوالديكما..
_ _ _
في ذلك اليوم كنا نوزع الكتب على الناس في منازلهم .. كنا نطرق الباب ونسأل : كتاب أم خبز ؟
اِخترنا حيا متوسطا حيث لا يموت أحدا جوعا .. الأصل ان المغرب لا يموت فيه احد بالجوع، إنما يموتون بالحGرة ، لا أعرف لماذا كنا كلما افترقنا إلى مجموعات أجدني أتربص بمجموعة نوفل، دائما أحرص أن أكون معه.. أحب أن أكون قربه، ربما لأنه يذكرني بسعد، أو لأنه هو الذي أخرجني من الظلمات التي كنت أعيش فيها، أو لأنه ألطف الأعضاء معي وأكثرهم اهتماما بي.. يومها كان الاتفاق أن نكون مجموعات تتكون من زوج ونطرق على الأبواب، لنسأل : كتاب أم خبز .. في المساء اجتمعنا لنجد المعدة قد اكتسحت العقل ب99٪ .. كنا محظوظين أنا ونوفل أن كان المنزل الوحيد من نصيبنا..
منذ اقتربنا من الباب كان كل شيء مختلفا، فقد رأيت على الباب عبارة : إقرأ باسم ربك الذي خلق.. مكتوبة بخط عربي مغربي رائع جدا جدا.. كنت أقترب من باب المنزل أنا وسارة وأنا أقول في نفسي: حسنا دعنا نرى ما جواب سكان هذا المنزل، نقشوا على بابهم أحب آية عندي في كتابهم المقدس مع أني لا أؤمن به.. أتمنى أن لا يكونوا ممن يقولون ما لايفعلون كأغلب المسلمين.. طرقت سارة.. تأخروا في فتح الباب، فإذا برجل عجوز يفتح، يبدو في الثمانين من عمره لكن ظهره ماشاء الله مازال قائما، شرحت له نشاطنا فرحب بنا وأصر أن ندخل إلى بيته، فإذا بي أفاجئ بجنة على الأرض، تكاد الكتب تعوض الجدران، لم يكن لديه خزانة كتب في غرفة واحدة فقط، بل وأنت تدخل تنظر إلى رفوف ترافقك في كل اتجاه في المنزل.. كتب قديييييمة جدا، بالأوراق الصفراء، وكتب حديثة، وكتب دينية لكن أكثر ما أبهرني هو وجود الإنجيل والثورات عندهم.. مازالت عيناي لا تكاد تصدق ما تشاهده، وهو يرحب بنا ويشرح لنا، ثم لا يكف يعيد أنه لم يسبق أن استضاف شبابا يهتم بالكتب يوما في منزله ..ثم سألنا كم من الشباب في جمعيتكم ممن يهتم بالكتاب؟ أجبته نحن 30 شخصا، لكن هناك شباب لا يكف عن مبادرات خاصة بالكتاب في مراكش وغيره من مدن المغرب، ابتسم ثم بدأ ينادي زوجته، ويقول لها إنه يوم تاريخي يا حبيبتي، فأخيرا جاء جيل يُقدر الكتاب، قال لنا خذا راحتكما وتجولا في المنزل..
أنا إلى وقت حديث لم أكن اقرأ ولا أكتب لكن سعد علمني ونوفل أكمل تعليمي حتى صرت أقرأ كثيرا، لكن في تلك اللحظة أكثر ما أثارني ليس الكتب.. بل وجه نوفل، لقد جعلني أصبح مأسورة به.. هو ينظر للكتب وأنا أنظر إليه، ثم ألتفت لأرى ذلك المشهد الرائع جدا، هذين العجوزين وهما مقبلان نحونا، في يديها صينية وفي يده ماء وصحن حلوى.. وهما مقبلان أرى الحب هالة كبرى تظل كليهما، ياااه كل هذه الأعوام المرسومة في تجاعيد وجهيهما ومازالا يحبان بعضهما.. مقبلان نحونا وكأنهما عريس وعروسة في شهر العسل، هذا المشهد ظل مرسخا في ذهني حتى بعد أعوام من ذلك اليوم، أتراه حقا يوجد هذا الحب الذي يجعل زوجين يحبان بعضهما حتى وهما في هذا العمر.. أمنت بالحب وسلمت له قلبي، فوجدت نوفل سبقني إليه، يملأ كياني وحياتي..
لم أقل لها يوما أحبك، ولم تقلها لي، لكننا صرنا روحا واحدة لشخصين، الحب لا يحتاج دائما إلى كلمات.. هي أفعال وأحداث ومواقف.. أنا أعرفها وأعرف ماضيها وأعرف من أين جائت.. لكني لا أهتم لكل ذلك.. أحببتها ولا يهمني رأي المجتمع كله فيها .. كيف أهتم برأي المجتمع وأنا الذي كفرت بدينه من قبل.. لكني مع ذلك تزوجت بها على سنة الله ورسوله، وأقمت حفلا خاصا، حضرته عائلتي وأصدقائي ..غير أن أغلب ضيوف عرسي كانوا متشردين.. أناس محتاجين، عابري سبيل.. سارة كانت المجنونة صاحبة الفكرة فوجدتني أكثر منها جنونا.. لذا كانت النتيجة هكذا.. مادمنا سنخسر المال في احتفال فلتكن هناك فائدة للمجتمع.. كان عرسا رائعا جدا.. الجميع يرقص، ولم يكن هناك من يتباهى بملابسه وتكشيطته، فأغلب أصدقاءنا إما ماعندهومش أصلا إما لا يهتمون بالمظاهر.. ومع ذلك فقد ارتديت أفضل ثيابي..
قبل العرس كان نوفل يسكن معي في منزلي الذي أكتري مع سميرة، لكن سميرة ستتزوج هي الأخرى قريبا فذهبت إلى قريتها.. وقررنا أنا ونوفل أن نحتفظ بنفس المنزل، على أن يغير اسم المكتري إلى اسمه.
ـ ـ ـ
يا لسخرية القدر .. كنت ضد علاقة سعد بسلوى في مراكش، رغم أني لم أعبر عن ذلك ولم أتدخل في شؤونهما يوما إلا أني كنت ضدها. وها أنذا الآن أستضيف سعد عندي في فرنسا كي يبحث عنها ..

#أين_الحب ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق