2017-01-21

أين الحب ـ الجزء 23


لم أفكر يوما في الزواج .. لأن أمثالي لا يتزوجون في هذا العالم .. أمثالي مرفوضون في كل المجتمعات، فالبشر ليس مثل الله عز وجل، هو الوحيد الذي يمسح ذنوبك ويعفو عنك، أما الناس فحتى بعد التوبة لا يملون من تذكيرك بماضيك.. أمثالي لا يحق لهم أن يمسحوا ماضيهم بالتوبة في معايير البشر.. أمثالي أنا حثالة في أعين المجتمع، نحن مجرد وسائل ترفيه، لا قيمة لنا أكثر من ذلك.. سلعة ليلية تُباع وتُشترى سرا.. لكن دخول نوفل حياة سارة.. وبالتالي حياتي أيضا.. غيرت نظراته إلي نظرتي إلى نفسي.. ففيها الكثير من الرحمة والحب والاهتمام، نظراته إلي أستطيع أن أشعر بها، أن أرى من خلالها كم يحب أن يراني أعيش حياة أفضل.. نظراته مختلفة تماما عن نظراته إلى سارة، تلك ملأى بالحب والافتخار بها كإنسانة، أما نظرته إلي فملئية بالرحمة والتمني أن أرتقي يوما لأكون إنسانة.. كلماته حين يُراوغ الجُمل والمعاني كي يقول لي : أما آن لك أن تكفي عن أذية نفسك؟؟ وفي ذات الوقت لا يُشعرني بتدخله في شؤوني الخاصة، يجعلني أعلم أن هناك حياة أفضل يمكنني أن أعيشها.. ولم يأتني يوما مثل ذلك الرجل الذي فرضه علي القدر حين جمعني معه في الطاكسي، قال لي ورائحة الخمر تختلط بكلماته :" انتوما اللي ماخليتوش الشتا تطيح فهاذ البلاد.. واش فراسك اشنو تايتسناك مني غادي توفَّاي ؟؟ (مني غادي تموتي) أوالله حتى غادي يدخلكم سيدي ربي لجهنم.." لم أرد عليه، ظللت طيلة الطريق صامتة وهو يتكلم ويعظ حتى وصل مكان نزوله، فقال صاحب الطاكسي بعدما نزل زبونه :" سير اودي الله ينعل ذيل مك فرعتي لي راسي فهاذ الليل.. هاد السكايرية ماتايبان ليهم الدين والقران حتااااااا تايعرGوها فشي بار" لم أجبه هو الآخر، ظللت صامتة، لأني أعرف أن لا أحد فينا يحق له أن يتكلم، كلنا أنذال.. كلنا سواسية في الباطل وكل على طريقته .. كلنا نغوص فيه حد القاع.. من منا يملك أن ينصح أو يتحدث باسم الحق.. كلنا نحاول أن نُصلح الباطل بالباطل وننتظر أن يصفق لنا الناس.. أما نوفل فقد كانت لديه مبادئ واضحة وضوح الشمس تظهر عليه، على كلماته، على تصرفاته، على مبادراته، كان إنسانيا حد الموت.. ذات يوم دخل ليلا وهو يلهث وأخذ "كراطة " ونزل يجري.. وبعد نصف ساعة تقريبا عاد حاملا معه قطة متسخة، كدت أتقيأ حين رأيتها بين أحضانه، لأفاجئ في الصباح يجمالها وروعتها، فقد نظفها قبل أن ينام.. هذا تعامله مع الحيوان فكيف به مع الإنسان، كم من مرة يخرج ليلا مع سارة و أصدقاءهم يوزعون الأغطية على سكان الشوارع في الليالي الباردة.. تبهرني مبادراته دائما.. كنت أتحاشى لقاءه، لكنه يسكن معي في نفس المنزل، هو وسارة في غرفتها وأنا في غرفتي.. قليلا جدا ما أنجح في تفاديه.. أما سارة فبعدما صارت إنسانة أصبحت في كل مرة أجمل وأرقى في عيوني.. صارت لها هيبة الناس.. لم يعد في عيونها يسكن ذلك الذل الصامت .. لولا حبهم واهتمامهم بي وتعاملهم الرائع معي لثرت عليهم، لأن ذلك الإحساس كلما رأيتهما ورأيت نفسي أقل قيمة، ذلك الإحساس بأني أرتكب جرما في حق نفسي كل يوم يضغط علي أكثر، كنت حقا لأنفجر في وجههم يوما ما، لأنه ليس هناك أصعب من أن تكره نفسك.. وتزيدك كرها واحتقارا أناس يسكنون معك.. لكنهم بالعكس يرفعون من قيمتي بينهم بصدق، يحبونني من أعماقهم .. يجعلون كرهي لنفسي إيجابيا فلا احقد عليهم بل افكر في حل لاتغير..وحتى سارة لم تنس أنها كانت مثلي.. ولم تتصرف مثل هؤلاء الشباب الذي يلتزم حديثا بعدما كان قبلها بقليل سكيرا وعاصيا فيكفر الناس وينهرهم ويتوعدهم بجهنم.. هما كانا رائعين معي فأثروا في شخصيتي وفي طريقة تفكيري حتى وافقت على الزواج حين أخبرني ابي أن أحدهم تقدم لخطبتي في القرية .. صرت أرى في الزواج فرصة رائعة جدا لأتغير للافضل .. غير أني مازلت اتساءل من هذا الذي سيرضى بامرأة مثلي ؟ فعلا هذا الذي خطبني اليوم سيتزوج بي بتقاليد قريتنا وهذا امر عادي، لكن ما إن يعرف تاريخي حتى يطلقني بالثلاث .. لهذا كانت لدي خطة .. أمثال نوفل نادروا الوجود، فهو يقبل بسارة كما هي بماضيها ونسبها وأصلها.. وقد لا أكون محظوظة مثل سارة، لذا قبلت الزواج من ذلك الرجل المجهول الذي طلب يدي، طبعا أنا أعرف أنه رشيد ابن عمي الذي لعبت معه في صغرنا، لكنه مجهول بالنسبة لي حاليا، كيف يفكر وكيف هي شخصيته؟؟ وووو .. المهم .. خطتي هي أني سأتعرف عليه بعد الزواج ثم أخبره بماضيي أو لا أفعل حسب شخصيته.. فإن كان مثل نوفل أخبرته. وإن لم يكن أبقيت ماضي سرا تاركة إياه يعيش في رجولته الزائفة طول حياته.. بالنسبة لتلك الجلدة التي يدعي الرجال بها شرف زوجاتهم فقد حللت مشكلتها ب30 ألف درهم.. شرفي وعرض أبي غال طبعا، وأنا لا أريد أن ينصدم في والدي.. وسُمعته وسط أهالي القرية إن مُسَّتْ فقد ينتحر.. ثم إني لطالما سمعت دعواته ورضاه علي كل شهر في الهاتف وهو يمسك ما أرسل له من مال، أفأرضيه طيلة هذه السنين وأجيء يوم فرحي لأجعل دعواته هباء منثورا؟ .. أبدا ليست سميرة من تفعل.. وأنا مسافرة إلى القرية كنت أفكر في طريقة اخبر بها زوجي أني ماعدت أعمل في شركة التصدير .. كما علي إقناعه أنه لا يمكن أن نعيش في مراكش.. حتى لا يطمع أن يأتي معي من القرية إليها.. ففي مراكش أكيد سيكتشف أمري إن آجلا أم عاجلا...
ـ ـ ـ
ما الذي يجعل الدول تتقدم؟؟ مالذي يمنع المغرب أن يكون الأول في مجالات عدة.. ليس بالضرورة كل المجالات.. في أقلها أهمية مثلا الرياضة ..لماذا لا نستطيع أن نفوز بكأس العالم مثلا ؟؟
كان الجواب الوحيد الذي وجدته: هو أننا منهزمون نفسيا كشعب.. نحتقر أنفسنا وطاقاتنا وكل إيجابياتنا.. إذا ظهر فينا شخص يحب الخير للناس ويحلم بأفضل حياة للجميع نتهمه بتهمة ما.. أنه مثلا يريد أن يترشح للانتخابات ، أو أنه يربح مالا على ظهورهم... إلى آخره من تلك الإشاعات التي نتقن إبداعها لنشوه سمعته.. وإن ظهر فينا من يشجع الناس ويزرع فيهم الأمل نعض على عنقه بأنيابنا حتى يختنق فيه الأمل .. ليصبح مثلنا ميتا لا أمل يحركه.. ولا طموح يحفزه.. أما إن ظهر فينا من يركز على سلبياتنا.. وينتقد أوضاعنا ساخر من واقعنا صفقنا له حتى جعلنا منه بطلا.. لأننا في قرارة أنفسنا نخاف أن نصبح أفضل.. نحن نكره التغيير.. نحب الاستقرار جدا.. نحن شعب نكره من يمدحنا.. نقدس من يذمنا. لأننا من كثرة ما تحطمت أحلامنا التي تركونا نحلمها ونحن صغارا.. لم نعد نطيق أن تتكسر الأحلام أمام عيوننا.. لا نخطط لأي شيء لأننا نعرف أنها لن تتحقق.. نحن شعب يقف المقهور فينا على يديه وركبتيه لكي يضمن أن يعيش مدة أطول.. مبادئنا وقوف الكلاب وعيش الخرفان و التشبت بعقلية القطيع.. نحب أن ننسخ من أبناءنا شبيها منا، مع أننا نعلم أننا لا شيء في هذا العالم.. ووجدت مائة ألف علة تتوغل فينا وتسكننا.. لكن أهم شيء يقف عليه كل شيء هو انهزامنا أمام أنفسنا.. فكل منهزم يفكر بطريقة "ماطالعة ماطالعة".. "أنا مارابح مارابح والله لا خليت شي واحد اخور يطفرو"... وغيرها من العبارات المنهزمة أصحابها .. فكرت وحللت فقلت: مادمت ـ وأنا الذي كبرت وسط هذا الشعب ـ أفكر بطريقتي المخالفة لهؤلاء النسخ، فأكيد أكيد هناك آخرون مثلي ..وعلي أن أجدهم أولا .. ومثلما يعلن أصحاب التفكير السلبي الضعيف عن أنفسهم .. فيجتمع حولهم أصحابهم و أمثالهم، علي أن أعلن عن أفكاري ليلتف حولي كل من يؤمن بما أؤمن به .. لذا أسست موقعا على الأنترنيت اسمه "كن أنت" www.KONANT.com ، هدفه أن يلتقي كل شاب مغربي إيجابي.. ننشر فيه مواضيعنا وأفكارنا وأهم شيء أن ننشر فيها إنجازاتنا.. الشر متفشي في العالم لأن أهله لا يكفون عن نشره في كل ثانية، والباطل مرتفع صوته، لأننا سنسمع صوت شخص واحد حين يصرخ ولو كان بين الف صامتين.. أعلم أن الخير هو الأكثر والإنسانية أكثر في نفوس البشر لكنهم يكتفون بالحديث عن الألم.. كل الجرائد والأخبار التلفزية تهمهم الحوادث والكوارث وينشرون صور الحروب والقتل ولا يهتمون برجل أعمال بنى دار أيتام في كينيا، ولا يسلطون الضوء على شاب اخترع آلة.. في الغرب يفعلون لأنهم يتباهون بما هو أهل للتباهي.. ونحن نتباهى بما هو أدنى .. أسست الموقع فنجحت الفكرة بسرعة لأن الساحة كانت تئن حنينا إلى مثل تلك المبادرة، فقد وجدت آلاف الشباب تسجل اسمها فيه.. غير أنه للأسف الشديد لا يكفي التمني وحده أبدا.. فهناك فرق كبيييير جدا بين من يريد وبين من يتمنى.. التمني مقرون بالكسل، أما الإرادة فيلازمها العمل والإنجاز.. تلك الآلاف كلها تريد أن تكون مع صناع التغيير حين ينتصرون ويحققون رؤيتنا التي رسمناها معا، لكن القلة القليلة جدا فقط من كان لديها الاستعداد للعمل حتى تحقيق الرؤية.. الرؤية هي: أن نجعل المغرب رقم واحد في العالم بعد عشرين عاما.. الرؤية هي أن نجعل المسؤولين يرون أن اهتمام الشباب ليست فقط مسابقات الرقص والغناء، بل مسابقات الاختراع والابتكار أيضا .. أن نجعلهم يُعطون قيمة للكتاب حين يرون اهتمامنا به .. أن نجعلهم يرون أحلامنا في سلوكاتنا .. أن نجعلهم يفهموم أننا لسنا أغبياء ليجعلوا سلاسل تافهة تحتل تلفزاتنا.. رؤيتنا كانت أن نغير من الأسفل .. الجميع كان يصفق لي حين أكتب على المنتدى .. لكنهم لا يحركون ساكنا لتحقيق الرؤية .. يريدونها بالساهل.. لم يعلموا للأسف أن الأمم التي تقدمت لم تتقدم برسم الأحلام على الأوراق البيضاء .. بل تقدمت بالاستماتة والتعب وعدم التراجع والاستسلام حتى تحقيق الهدف.. ومع ذلك ظهرت مسابقة في العمل التطوعي سنة 2007 في قناة LIFETV وشاركت فيها أنا ونوفل (رجل بمائة قائد هذا الفتى) وهشام وقائمة طويلة من الأصدقاء فاحتل فريق المغرب الأول.. رفعنا راية الوطن هناك عاليا في سماء لبنان.. وهنئنا الجميع هنئنا كل الأشقة العرب.. ولكننا حين عدنا لم نجد إلا أربعة وثلاثون شخصا فقط في المطار.. ففهمت أن إنجازنا كان ضخما في عيوننا وعيون أربعة وثلاثين شخص في بلدنا فقط.. البقية كانوا ليستقبلونا بالآلاف لو عدنا من مسابقة رقص وغناء...
لم ننكسر رغم ذلك لأن جلال كان لنا دعما قويا .. واستمررنا في إنجازاتنا بعدها.. إنجازات بسيطة جدا إذا ما قورنت بالرؤية لكن همنا تحول من تحقيق الرؤية إلى: الموت ونحن نحاول فقط أن نحققها.. لهذا مازلت أنا وسارة حتى بعدما تزوجنا نعمل في جمعية لا يسمع أحد بأعمالها.. لم يعد يهمنا أن يعيننا المجتمع.. لم يهمنا أن نقنع المسؤولين برؤيتنا.. رضخنا للواقع رغما عنا.. وانسحب البعض منا مثل هشام وسعد وسلوى وآخرون.. لكن جلال عاد من فرنسا وعاد بمشروع وأمل أن يجمعنا مرة أخرى على إنجازه.. وأنا لن أدخر جهدا أبدا في أن أكون معه..
ـ ـ ـ
وصلت فرنسا فاستقبلني جلال في المطار، أقلني إلى حيث يسكن، أتذكر حين كنا في لبنان وكان جلال دائما يلومني بعيونه حين أمسك يدا سلوى أمام الناس.. كان دائما يعبر عن رفضه لأي علاقة بين الذكر والأنثى خارج إطار الزواج، هو لا يؤمن بصداقة الرجل والأنثى.. دائما يقول أن هناك حدود، لكن أروع ما يعجبني أنه يعبر على رأيه فقط دون أن يحاول فرض ذلك علينا.. لذا كنت احتراما له أفعل ما يريده أمامه .. إن جئت إلى مكانه ، لكن إذا هو الذي جاء فلا أغير شيئا مما أفعل.. مثلا حين كنا نذهب إلى الجمعية نكون أنا وسلوى مثل باقي الأعضاء هناك.. أما إذا وجدنا في مقهى أو في الكلية مثلا فنتصرف بشكل عادي.. وكان يقبل بذلك.. لأنه احترام لبعضنا.. لا أنا أفرض عليه ما أؤمن به ولا هو يفعل.. لكنه رغم ذلك وجدته قد عرف لي أين تدرس سلوى.. وأخذني بسيارته إلى هناك.. انتظرتها حتى خرجت.. حين رأيتها شعرت بالكون كله يحضنني.. أريد أن أقف أمامها وأمسك يدها وأقول: سمحي لي والله عارف راسي غلطت فاش تعطلت عليك.. لكن هذا مستحيل، هي على زمة رجل آخر.. هاهو قد جاء بسيارته.. نظر إلي جلال وقال: ماتزربش .. يالاه نتبعوهم وتشوف شنو غايوقع ..
فانبهرت فاتحا فمي في جلال .. واش هذا هو جلال اللي كان ضد أني نشد يدي سلوى وحنا حباب.. دابا اللي تزوجات بواحد آخر تايقول لي نتبعها وزايدها بتشوف شنو غياوقع .. شغايوقع زعما ؟؟ شبغا يقول هذا ؟؟

#أين_الحب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق