2017-01-26

أين الحب ـ الجزء 28

ـ ـ ـ
..عقارب ساعتي تتمرد على عصر السرعة .. وترفض أن تسرع، سادسة ذلك اليوم تُنافس صبيب الإنترنيت في المغرب أيهما أكثر بطئا.. وأنا في الكلية، جثتي مرمية على المقعد مع باقي الجثت.. نستمع إلى محاضرة لا تُسمع.. عيناي تسافر عبر جدران القاعة وتُعد الثواني .. خرجت على الساعة الثانية عشر وتناولت الغداء عند سعيدة مولات المسمن.. نفس المكان حيث ضرب لي هشام موعدا اليوم.. جلست وأنا أتخيل هشام جالسا معي يعرض علي الزواج .. تخيلت مائة ألف سيناريو للطريقة التي سيختارها لطلب يدي .. تخيلت كلماته بكل اللغات.. وبكل الطرق التي قرأتها في الروايات الغرامية .. وبكل المشاهد التي شاهدتها في أروع الأفلام الرومانسية .. وفي نهاية كل سيناريو أعدني أني سأتوقف عن التفكير في هذا الموضوع.. لأنه غالبا لن يحدث.. ثم لا أكاد أتوقف عن السرحان.. حتى ... ولكن لماذا لن يحدث؟ بل حدسي يخبرني أنه سيحدث.. سيطلب يدي أكيد.. تسع سنوات وأنا لا أرى غير هشام .. تسع سنوات وأنا أعيش على أمل رجل واحد فقط.. وأغلقت كل الأبواب على من سواه مرات عديدة.. لا يمكن ألّا يحدث.. ثم أمضغ لقيماتي لأستفيق على صوت أحدهم ينادي النادل.. "وعزييييز .. شي طبسيل تاللوبية الله حفظااك" .. ثم أعود للمرة الألف والألفين لأغوص في سيناريوهاتي.. لا أحد من الحاضرين يدرك خيالاتي .. عالم أعيش فيه وحدي.. أستمع فيه لأغاني من اختياري وحدي .. أزينه بكل التفاصيل المملة من شموع وورد وحدي.. تلك الورود أجعلها على شكل رسمة قلب وحدي.. وأضع الرسمة حول كرسي جلوسنا أنا وهشام.. لا أحد يعلم أو يدرك العالم الذي أعيش فيه وحدي .. وليس اليوم هو أول يوم .. بل أتمنى من أعماق أعماقي أن يكون آخر يوم بعد تسع سنوات من الخيال والوحدة.. بعد أن كبر عمري ولازال خيالي طفلا حالما يأبى الكبر.. انتهيت من وجبتي وأنا أظن أن الوقت قد مر لتصفعني عقارب الساعة ب 13 زوالا .. مابه هذا الوقت يعاندني هو الآخر.. لماذا لا يسرع مثلما يفعل حين أكون رفقة هشام؟.. أنظر إلى الساعة وأنظر في حركات الناس مسرعة والوقت يداهمها.. البعض منهم يركض كي يلاحق الزمن وزمني أنا متوقف .. وكأني أنتمي لمجرة أخرى .. وكأن خيالي أخذني إلى عالم لا زمن فيه .. أنتظر أن تأتي ال18 كما لم أفعل يوما في حياتي .. أنتظرها أن تأتي ليأت معها هشام وموضوعه..
ـ ـ ـ
أرسلت إليها رسالة هاتفية : حبيبتي أنتظرك في مطعم "مواعيد" في شارع علال الفاسي، على الساعة 20 ليلا.. البارحة بعدما ذهب الجميع.. حضنتني بشدة ونحن في غرفتنا.. وشكرتني جدا جدا على هديتي لها أن نعتمر.. لكنها لم تقل غير ذلك.. أما أنا فكنت سعيدا جدا بعودتها إلي، وبمفاجئة نوفل أيضا، فلم أرد أن أعكر صفو الليلة برغبتي في معرفة سبب تغيرها معي، منذ اليوم الرابع من زواجنا.. عادت نوال إلى سابق عهدها وهذا هو المهم عندي.. والأهم أن أحافظ على هذه الفرحة والسعادة التي تزين عينيها.. سنذهب إلى العمرة في رمضان القادم إن شاء الله .. وعلينا أن نستعد له.. لأن هذا هو شهر العسل بالنسبة لي .. يجب أن أجعله يرسخ في عقلها حتى نتذكره معا كلما بردت علاقتنا قليلا .. ولو قليلا .. يجب أن يكون هذا الشهر في مدينة رسول الله.. أجمل الأيام في حياتنا، نجعلها محورا حولها تدور كل أيامنا بعدها.. كما أريد حين نعود أن أبدأ في تنزيل مشروعي الذي خططت له طيلة الأيام التي كنت فيها في فرنسا.. والذي أطمح أن يعيد لشباب المغرب الثقة في نفسه.. المشروع صعب التحقيق ويحتاج إلى طاقة كبيرة، من هناك سأتي بها. طيلة الشهر سنتجول في المدينة على خطى الرسول عليه السلام نقتفي أثره .. نعيش لحظات من حياته في مدينته، بقراءة سيرته وزيارة كل مكان كان فيه..
لا أعرف ماذا أقول له .. بعد أن ذهب الجميع، وصرنا وحدنا في المنزل الذي كدت أن أهدمه قبل ساعات فقط .. أنظر إليه وأحمد الله أنه بريء مما لفق له هشام .. هشام وغد وحقير، ولطالما رأيته كذلك .. إلا الليلة. لست أدري ماذا تغير فيه منذ التقى بسعد.. بل منذ اللحظة التي عانق فيها سعدا.. وتوارى قليلا خلف الخامية ليمسح دموعه.. أكيد أنهم لاحظوا مثلما لاحظت لكن جلال كان قد لفت بكلامه الأنظار نحوه حتى لا نحرج هشام.. البارحة هو أول يوم ألتقي فيه بأصدقاء جلال.. فرغم أني كنت أعمل في العمل التطوعي إلا أني كنت أقوم به في إطار حزب سياسي وقليلا جدا ما أشارك في جمعيات مستقلة، أما جلال وشلته فكانوا يحرصون أن لا تُلون أنشطتهم بأي صبغة.. لذا لم أجالسهم يوما مثلما تعارفنا يوم أمس .. أما هشام فهو زميلي في العمل، لا أعرف سبب تأخره اليوم.. تساءلت وأنا أنظر إلى الساعة فوصلتني رسالة هاتفية من زوجي : حبيبتي أنتظرك في مطعم "مواعيد" في شارع علال الفاسي، على الساعة 20 ليلا..
ـ ـ ـ
"جلال بغيت نخرج نشم الهواء.. بغيت ننسى سلوى وننسى كل الماضي اللي جمعني بها .. مابغيتش نعرف عليها باقي حتى حاجة .. بغيت هير نخرج من هادشي اللي أنا فيه، ونتحكم فحياتي كي بغيت" بعدما أغلقت الهاتف.. أخذت حقائب نوفل وسارة في سيارتي، وتركتهما مع بيهي الذي سيأخذهما إلى الشركة التابعة لمجلة نيوموض والذي أخذت منه بطاقته .. وصلت عند سعد ووجدته قد استحم، ولبس بشكل أنيق.. لم يكن سعد يهتم بمظهره كثيرا.. كان فعلا يشتري ملابس رائعة لكنه في الغالب لا يلبسها..اليوم لبس أجملها.. ووضع أفضل عطوري بعد أن استأذن، لأن كل عطوره تذكره بسلوى التي اشترتهم له جميعها.. يريد سعد أن نصعد إلى Tour Eiffel.. لم يسبق لي أن صعدت مع أني سبقته إلى السكن في باريس ، ورغم أن كراء شقة تطل عليها كلفتني ولاتزال تكلفني الكثير.. فوجدتها فرصة لأذهب.. أحيانا كثيرة جدا نظن أن شيئا ما يعني لنا الكثير .. لكن ما إن نصل إليه أو نملكه حتى نهمله.. قبل أن آتي إلى فرنسا كنت أراها معلمة يجب أن أزورها بمجرد ما إن أصل .. وحين وصلت وحصلت على شقتي بحظ كبير جدا، صرت أقول سأزورها حين أشاء .. فلم أهتم منذها .. تماما مثلما كان يحدث لنا في مراكش.. لا نزور معالمنا التاريخية ولا نزور الأماكن الجميلة فيها إلا إذا جاء ضيف يسكن بعيدا عنها ليذكرنا أننا نملك شيئا يستحق الاهتمام والالتفات إليه.. هكذا حتى في العلاقات الانسانية.. تجد أحدهم يود أن يتعرف على شخص ما .. ويحرص على أن يلتقي به.. ويمكن أن ينتظر عمره كله ليقترب منه.. وما إن يجتمع معه ويتعرف عليه حتى تنطفأ كل تلك المشاعر الرائعة التي كان يكنها له قبلا.. صعدنا إلى أعلى برج إيفل..
اقتربت من الحافة وأمسكت بالقضبان الحديدية .. نظرت الى باريس من فوق.. نظرت إلى السماء ثم الأرض لأرى البشر مثل النمل.. كم نحن صغار.. ما أتفه حجمنا ومع ذلك نعتقد أننا محور الكون.. لاشيء يستحق أن نحزن من أجله.. لاشيء يستحق أن نموت من أجله..لاشيء يستحق صراخنا صراعنا موتنا.. كل شخص هناك تحت .. يحمل معه قصته.. قصته التي يعتبرها الأهم في هذه الدنيا.. قصته التي يلعب فيها دور البطولة .. أحببت لو اصرخ من اعلى بقوة واقول للعالم .. أنكم لاشيء.. أن القصص أيها الناس أكثر من تحكى.. أن قصصنا جميعا هي جزء صغيييير جدا من قصة أخرى.. أن قصصنا جميعا لها نفس النهاية.. هي الموت .. تلك هي النهاية الوحيدة التي توحدنا مهما اختلفت قبل الموت.. تمنيت لو أمكنني الصراخ لكنه غير مسموح فكتمت الصراخ في داخلي.. أسندت خصري على القضبان الحديدية.. فتحت ذراعي وأغمضت عيني .. وتركت نسمات الرياح تداعب خدي.. فاحتلت صورة سلوى مخيلتي يوم أخرجت راسها من نافذة الحافلة في مراكش.. وبدأت أمسح جزءا بجزء.. كنت أبذل كل الجهد لأمسحها.. كنت أموت مائة مرة وأنا أحذفها من على جدران عقلي.. أتألم صمتا .. وجلال قربي لم يقل شيئا وكأنه ليس معي.. كانت عيون سلوى آخر ما قاوم جبروت خيالي.. فتحت عيني ثم أغمضتها مرة أخرى .. لتأتي الصورة مرة أخرى وكأني لم أمسحها.. فاستسلمت...
_ _ _
كل خطوة أخطوها نحو الأستوديو أشعر بأني ذاهبة نحو جهنم.. لكني بمجرد ما وصلت ورأيت الأستوديو وأجهزة التصوير والأضواء و التقيت مباشرة بنجمات عرض الأزياء .. اللواتي لطالما رأيتهن على شاشة التلفاز .. نسيت الدين ومن جاء به .. فتحت فمي مندهشة.. وسكبت هويتي بخلع ملابسي وارتداء ملابس الشوتينغ.. مغرية جدا تلك الملابس.. لطالما تمنيت لمسها فقط.. وها أنا ذي ألبسها.. بل أكثر هاهي ذي بنت مول الديتاي.. بنت الفنادق.. ستدخل عالم عارضات الأزياء في أشهر مجلة في العالم..
كنت أراقبها طول الوقت .. رأيت تقلبها.. ترددها في سيارة بيهي .. وسعادتها حين وصلنا الأستوديو.. لا أملك لها إلا أن أتركها تبحث عن ذاتها.. أن تسلك الطريق الذي ترتاح فيه.. انتهينا من الشوتينغ وسيبلغونها بقرارهم عبر هاتفي.. فقد لعبت دور مدير أعمالها.. المهم أخذنا بيهي إلى المكان الذي نعت له جلال.. التقينا بسعد.. شعرت بالغيرة حين حضنت سارة سعدا.. لكني أثق فيهما.. وأعرف كل تفاصيل قصتهما.. حتى محاولة سارة إغراءه.. هي لم تخفي عني أي شيء.. رغم أني طلبت منها أن تحتفظ بماضيها.. لكن يبدو أنها لم تشعر بالراحة إلا حين حكت لي كل شيء.. أحيانا أفكر في نظرة المجتمع إلى مهندس تزوج ببنت ليل.. وتقرقيب الناب علي.. شوي تانقول أصلا انا ماشي الناس .. أنا نوفل ماشغليش فالناس وفنظرتهم.. أنا تاندير اللي فبالي وماشغلي فحتى واحد شنو تايقول علي.. مافرق الله الريوس هير باش حتى واحد مايدخول سوق شي واحد اخر..
___
أردفت سارة ومدير أعمالها في سيارتي.. بينما نتحدث عن جلال الذي التقينا به في المطار .. علمت أنهم أصدقاء سعد.. نفس الشخص الذي من أجله تغير مسار حياة سوى ..فاحترت هل أخبرهم بالحقيقة .. أم أترك سلوى تختار ماذا ستفعل.. فأنا لا أريد إلا أن تكون سعيدة .. وفقط..

#أين_الحب ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق