2017-01-27

أين الحب ـ الجزء 29


دخلت إلى المطعم على الساعة 19:50 .. وجلست أنتظر.. موسيقى هادئة ..إضاءة خافتة وشموع حمراء فوق الطاولات .. أيظن جلال أني سأحب هذا النوع من المطاعم حقا؟ لم أكن أعرف أيضا انه من النوع الذي يرى الرومانسية في هذه الأشياء.. جلال يؤمن أن الموسيقى حرام.. ويعرف رأيي فيها كذلك.. فلماذا اختار هذا المكان؟.. نحن لا ننتمي إلى هذا العالم.. أنا وجلال لا نهتم بالمظاهر، ولا تُبهرنا بهرجة الغرب.. كنت أظنه يعرفني أكثر من هذا.. فهو الآن يريد أن يغير شخصيته وأذواقه من أجلي.. كم هو رائع وصبور.. رجل يتنازل من أجل زوجته.. يجب أن يعلم أني لست من النوع الذي يتأثر بالمسلسلات والأفلام الرومنسية ويجعلون هذا القالب هو النموذج الأعلى للشاعرية والرومانسية .. أنا بسيطة جدا.. قمة الرومانسية عندي الجلوس على رمال شاطئ البحر أتأمل غروب الشمس، أو جلسة على زربية في أوريكا أو أم الربيع أو أقشور... نتأمل شلالا يخترق الجبال، وربما أطمع قليلا فأراها في منزل يطل على بحيرة في ليلة مُقمرة.. هكذا أراها قريبة من الطبيعة.. غير أنني لن أخبره هنا.. سأدع الأمر إلى أن نعود إلى المنزل وأشكره بكل الحب، ثم أخبره.. دخل جلال أنيقا كما دائما إلى المطعم، مبتمسا كالملاك في عيني.. قادما نحوي.. لحيته الخفيفة تزيده وسامة.. وجلبابه الأبيض المعتنى به وسرواله الذي لا يصل إلى كعبيه.. جواربه البيضاء وحذاءه الأسود اللامع.. هذا هو الرجل الذي لطالما حلمت به .. ليته ينتمي إلى الحركة الإسلامية لكان أكمل كل الصفات التي تمنيتها.. لكن لا بأس، لا أطلب أكثر.. ما أحب في جلال أنه يعرف أن لكل مقام مقال، ففي فرنسا حسب ما حكى لي كان يرتدي مثلهم.. يقول " أن المرء يجب أن لا يفرض على الناس ثقافة يرونها بنظرة سلبية ويسبب للأسف الهلع للبعض.. ، مادمت ضيفا عندهم فلماذا أعاند.. أما وأنا في وطني فلي الحق أن أرتدي ملابس أجدادي كما يحلو لي" .. جاء قادما نحوي ويده اليمنى خلف ظهره .. اقترب مني وأهداني باقة ورد .. ورود صفراء تتوسطها حمراء .. وقال :
جلال : بدون مناسبة كل يوم وأنت الحب والأمل والوفاء والزوجة الصالحة..
صمتت أفكاري وأبت أن تتواصل مع اللسان .. بقيت تدور في ذهني من شدة الانبهار به .. قبل أن أتناول من يده الباقة ولأقول أخيرا : سعداتي بيك ..
كيف يستطيع أن يجمع بين الدين والحب بهذه الطريقة ؟؟ حتى أني حين نظرت حولي رأيت الناس تنظر إليه باستغراب وأكيد أن أغلبهم يسخر منه.. لكنه بكل ثقة وهو يحافظ على ابتسامته جلس يحدثني عن رؤيته لحياتنا وعن شهر العسل وبعد أن تناولنا العشاء.. ووضع النادل الحلوى أمامنا مد لي قطعة منها بالشوكة فأكلتها من يده.. ثم قال لي :
جلال : سعد كان عاود لي كلشي على قصتو مع سلوى ففرانسا ..وكنتي عاودتي لي على شنو كان دار هشام باش يفارقهوم.. ولكن باقي ماعرفتش شنو علاقتك انتي بهادشي .. علاش ديك النهار قلتي لهشام : عقلتي على سعد وسلوى ؟ جاني بحالا بيتي تقولي ليه شي حاجة أخرى .. و البارح فاش هشام عنق سعد هبطو ليه الدموع . بينفهم هادشي..
نوال : قل لي .. شنو رأيك فوحدة من الأخوات اللي فالحركة الإسلامية، بدات تادير شي حوايج ماشي حتى لتم .. وتاتسمع الناس تايقولو حتى المحجبات تايتصاحبو .. ؟
جلال : تاتعني سلوى ؟
نوال : أنا ماعمري شفتها ديك الساع ولا حتكيت بيها ولكن الصيت ديالها هي وسعد وصل لأيت أورير ..
جلال : أنا كنت فديك الوقت هنا .. كنت تعرفت عليهم من واحد النشاط بيئي كانت دارتو جمعيتنا مع وليدات ابو العباس السبتي فحي البديع .. زرعنا شي شجيرات .. كنت ديك ساع فكلية الطب.. باقي سلوى مادارتش الحجاب، من ديك الوقت وهوما مصاحبين.
نوال : أو ماقلتيش لي .. شنو رأيك ؟
جلال : بطبيعة الحال مني ولات فالحركة تاتقيس السمعة ديالها.
نوال : فديك الوقت .. أنا تانشوف السمعة ديال الحركة غادة وتاتشوه .. وسلوى على حسب ما قالو لي راسها قاسح، مشيت أنا سولت حتى عرفت اصلها وفين ساكنين والديها.. وأنا نتاصل بالناس ديال الحركة اللي عندنا فتافراوت دبرو لي على رقم عائلتها .. واتاصلت بهم، وعاودت ليهم على شنو تاتدير بنتهم.. حيت حتى انا كون عندي بنتي هانبي اللي يعاود لي عليها قبل ما تضيع.. واش هادشي اللي درت صح ولا لا ؟
جلال: فيه واحد الجانب صحيح ولاخور خطأ ..
نوال : مافهمتش مزيان .. علاه ممكن الواحد يغلط ومايغلط فنفس الوقت ؟
جلال : أه هذاك هو الإنسان على طول الخط.. حيت فاش تايدير الصح من جهة تايعميها من الجهة الاخرى. مثلا دابا اللي جيت لهنا ولابس جلابة بيضة اللي المجتمع تايشوف فيها هير ديال الجامع تاتفكرو فنهار الجمعة. الصح اللي درت هو أني خليت الناس يشوفو نموذج آخر للإنسان المتدين، اللي ماشي هير ساد على راسو فالجامع.. الإنسان اللي عايش معاهم حياتهم، وفرحان منفاتح ماشي مقوقع كي تايصوروه للناس.. وحتى هو رومانسي وتايهدي لمراتو الورد ..(وابتسم جلال ابتسامة عريضة) لكن الوجه الخطأ أني عطيت فرصة لشي بعضين يسخروا من المتدين ويديو ما يعاودو لصحابهم ويبقى يتفرشخو بالضحك.. لأني جبت حوايج اللي معطية ليهم واحد الهبة لواحد القنت بحال هذا مثلا اللي معروفين بيه هي السكايرية.. أي حاجة كيما بات تكون لابد يخرج ليك منها شي واحد شي عجب.
نوال : فهمت .. واشنو وجه الخطأ فاللي درت أنا ؟
جلال : فرقتي بين جوج دا الناس تايبغيو بعضياتهم ..
نوال : ياك انت كاع ما تاتامنش بعلاقات خارج اطار الزواج ؟
جلال : اكيد، وماعمري أمنت بيه ولكن هوما كانو مآمنين أنهم تايبغيو بعضياتهم ..
نوال : اللي مقدر ليه الله شي حاجة راه مقدرها ليه واخ يتحاماو الناس والجنون ماغايبدلوهاش ليه .. وهوما كان مقدر ليهم يتفارقو وهوما يتفارقو .. ماشي بسبابي انا ..
جلال : ماعليناش.. إذا انتي كنتي اتقولي لهشام راه ماشي هو اللي فرق بيناتهم .. اااه اوكي فهمت دابا..
ـ ـ ـ
لم أعد أبدا إلى مراكش منذ تزوجت بسميرة .. استقررت في بوكماز أحرث مع أبي الأرض وأزرع .. عدت إلى مهنتي الأصلية.. ووجدت راحة نفسية كنت أبحث عنها وأنا في المدينة.. أحيانا يجب عليك أن تبحث عن ذاتك في مكان بعيد جدا لكي تعرف قيمة ما كان بين يديك.. هذا السلام الداخلي الذي أشعر به الآن لم أكن لأعطيه قيمته لولا تجربتي في المدينة.. كما أن التصميم وتعاملي مع الحاسوب ينفعني الآن في إعداد الفواتير والتعامل مع الشركات.. أسست شركة وأتنقل بشاحنة أبي حتى استطعت أن أشتري شاحنتي.. والحمد لله ازدهرت أعمالي .. سميرة كانت جالبة الحظ لي، واقتراحها كان صائبا.. أتواصل دائما مع هشام وعلمت أنه تزوج هو الآخر .. للأسف لا أحد منا استطاع أن يحضر عرس الآخر، لكنه اليوم سيحضر عقيقة ابني..
استقبلني رشيد بحرارة في بيته، ورأيت كم تغير حاله إلى الأفضل.. أكيد أن وراء هذا النجاح كفاح وجهد ومعاناة، يبدو أن زوجته صبورة جدا.. لأني أعرف أن رشيد في بدايته لم يكن يملك أي شيء.. زوجتي سعاد كانت سعيدة جدا لزيارتها هذه المنطقة التي لطالما سمعت عن جمال مناظرها الخلابة.. كنا نجلس ثلاثتنا في غرفة الطعام .. كانت تطل على المراعي.. نوافذها كبيرة بحيث تخول لك مشاهدة رائعة وأنت جالس.. فكنا نتأمل تلك المناظر وذلك الوادي الذي يتوسط الحقول.. ثم جاءت سميرة تحمل صينية الشاي لتضعها على المائدة .. فإذا بي أعرفها .. يا للمصيبة .. يا للأخطاء التي تظنها صغيرة وستمر من حياتك لحظة وتنساها فيما بعد .. إنها صديقة سارة.. لم أعرف كيف أتصرف.. حقا إن هذه الحياة قاسية جدا.. ولا تغفر الأخطاء.. وتأبى إلا أن تجعلك تدفع ثمن أي منهم مهما كان الخطأ ميكروسكوبيا .. والغريب أن رشيد يملك في جهازه صورة لي مع سميرة في وضع إن عرف أنها هي سيطلقها أكيد.. علي أن أتسلل إلى حاسوبه وأحذف الصورة قبل أن يعرف...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق