2017-01-28

أين الحب ـ الجزء 30



ما فاجأني أكثر أن رشيد لم يتذكر سميرة في صورة من الصور التي أعطيته ليفبركها من أجل الإيقاع بين جلال ونوال .. وذلك قبل أن أعرف أن جلال هو زوجها.. على كل حال علي أن أجد حلا وأحذف تلك الصورة من جهازه .. ارتبكت سميرة وكادت تسقط الصينية ..
لو لم يمسك هشام الصينية من يدي لكنت أسقطتها أرضا .. هذا الماضي اللعين يأبى إلا أن يعيد نفسه.. وجاء من مراكش في صفة صديق زوجي.. أي حقد هذا الذي يُكنه لي القدر؟.. أسندني رشيد على كتفيه وساعدني حتى جلست .. ولحسن حظي أحال السبب إلى كوني لازلت على عهد بالولادة.. ولازال التعب باد علي.. فطلب مني أن لا أفعل أي شيء.. وهو سيتكلف بكل شيء.. ثم قالت سعاد أنها ستهتم بأمور المطبخ.. ونهضت .. بقيت أنا ورشيد وهشام.. في غرفة الجلوس نتبادل أطراف الحديث.. وهشام يتبادل أطراف الأفكار معي.. لا شك أنه سيحرص مثلما أحرص على أن نحافظ على أسرتينا متامسكتين.. لكن عينيه تلاحق اللاشيء في الهواء .. وكأنه يشير إلى حاسوب رشيد .. لم أفهم إلى ماذا يرمي.. فاستأذنت منهما لأرضع طفلي.. ذهبت إلى الغرفة وأخذت قلما وأوراق .. ووقفت في الممر بحيث يراها هشام ولا يراها رشيد.. فكتبت على الورقة : PC ؟ هشام لا يعرف ماذا يفعل.. لأن رشيد يتحدث معه عن مشاريعه ونجاحه.. فأماء برأسه وكأنه يوافق رشيد ب نعم .. فكتبت مالو ؟
واش هاذي هبيلة ولا مالها .. باتني نجاوبها قدام راجلها ولا شنو ؟؟ فقلت
هشام لرشيد : أنا منك ندخول للجنان ونقلب فيه على أي حاجة ممكن تضر التفاح ونحيدو من الجدر ..
أكمل رشيد الحديث معه موافقا على أن المحصول يقل بكثرة الأعشاب الضارة .. فكتبت: واش تاتهضر معيا ولا معاه؟ ناري على مكلللللخة .. فقال هشام لرشيد : لله لما عاود عتيني رقمك .. استغرب رشيد مني لأني كنت أتواصل معه طول الوقت .. لكنه أعطانيه .. وهي كتبت رقمها على الورقة . وديري هكاك من الأول لذكية للي قالتها ليك.. أخبرت رشيد أني مسحتها بالخطأ قبل قليل.. وأرسلت لسميرة أن تبحث عن الصور وتحذفها...
بعدما تأكدت أن رشيد كتب رقمي .. التفت لأدخل فوجدت سعاد واقفة تنظر إلي..
اقتربت منها وأخذت الورقة لأجد رقم الهاتف عليها .. أمسكت يد سميرة بقوة وجررتها إلى المطبخ..
سعاد : شنو هادشي؟ ديالك هاذ الرقم ياك ؟
سميرة ( بما أنها لم تصرخ وتفضحني هناك فهي لا تريد إلا أن تفهم ) : هذا رقمي .. كتبتو لراجلك باش يصافت لي شنو ندير باش مايطلقنيش رشيد.
سعاد : علاه شنو بينك وبين هشام حتى انتي ؟
سميرة ( بخير إذا هي عارفا هشام شتايسوا) .. فجاءتني رسالة من هشام يشرح لي ماذا سأفعل..
قرأت الرسائل ففهمت كل شيء.. الآن عرفتُ أين كنت رأيت هذا الوجه.. ملامحها تغيرت بعد زواجها والبوصلانة اللي كانت ملطخة بيه وجهها نقص لكنه نفس الوجه.. أتذكرها الآن جيدا.. فأعدت إليها هاتفها .
سميرة (تحاول تقبيل يد سعاد): إربي ماتقول والو لرشيد.
طمأنتها .. هادشي موالفة بيه.. وقلت لها أن تذهب لحذف الصورة لعلها تنقذ أسرتها..
كان هناك ريب وارتباك في البيت منذ التقت سميرة وهشام.. أكيد أنهما يعرفان بعضهما من قبل.. ألهذا قالت لي سميرة في أول يوم زواجنا وهي تتنهد .. لسنا من سيفتح الباب أمام الماضي.. بل هو من سيفرض نفسه علينا.. حسنا سأتظاهر أن لا شيء يحدث أمامي مادام الماضي ماضيا.. لكن وأقسم إن نوت وليس حتى فكرت أن تخونني الآن وهي على ذمتي لأقلتنها وهشام معا...
تناولنا الغداء وانفردت بسميرة.. : اتفقنا ابنت الناس اننا مانجبدوش الماضي ديال كل واحد فينا.. خلي الماضي يدوز بحالا ماكانش.. واياك ثم وياك تفكري تحييه شي نهار..
سميرة (وهي تشرب ريقها مرا) : تاتشك في أرشيد ؟
رشيد : أنا غير قلت ليك .
فبدأت أبكي وأبكي بشدة لامتناهية .. لأني كنت أعرف أن دموعي أغلى ما لدى رشيد.. أقترب مني وحضنني بين ذراعيه وأخبرني أنه وسواس الشيطان فقط.. قبلني ومسح دمعي.. فابتسمت له وعادت المياه إلى مجاريها.. ذهب عند هشام وزوجه.. فسجدت لله شكرا على ستره لي.. كل هذه المدة والصورة كانت قربية جدا من رشيد..
أين الحب .. ؟؟
الحب هاهنا .. في عدلنا مع نصفنا الآخر.. مثلما أردنا أن نخفي عنه أخطاءنا فلنعطه فرصا ليخفي أخطاءه عنا..
ـ ـ ـ
أخيرا جاءت السادسة ولم يأت هشام.. هو هكذا دائما متأخر.. جلست أنظر في وجوه الناس فتترائى لي كلها وجه هشام خصوصا أن الضبابة تاطيح على عيني فوقت الغروب.. فقصدني شاب :
الشاب : بينهضر معاك أختي واحد الدقيقة إذا سمحتي؟
نظرت إلى الجهة الأخرى وناديت على عزيز.. كنت أريده أن يبعده عني. لكن عزيز لم يهتم بمناداتي على عكس ما يفعله كلما ناديت.. والشاب لازال واقفا على رأسي.. فقلت له :
سعاد : عافاك أخويا بعد مني راه خطيبي دابا يوقف عليك ..
الشاب : كون كنتي مخطوبة كون كنتي لابسة الخاتم ..
سعاد : وا دخول الصحة هذا.. سير الله يرضى عليك سير .. والتفت مرة أخرى أنادي على عزيز.
الشاب : راه هي دقيقة من وقتك .
سعاد : شنو ؟
فأشعل ولاعة .. لينهض أغلب الجالسين عند سعيدة مولات المسن .. وجميعهم ينظرون في اتجاه شارع آسفي .. ثم نهض بقية الجالسين يتساءلون ماذا يقع مثلي .. نظرت في نفس الاتجاه .. فرأيت شابا آخر بعيد.. جاثيا على ركبتيه .. أشعل ولاعة هو الآخر وأطلق صاروخ ألعاب عاشوراء .. في اتجاهنا مع ميلان حوالي 70 درجة إلى الأعلى نحو العمارة التي يتواجد تحتها محل سعيدة مولات المسمن حيث أقف أنا والجموع التي تراقب معي ماذا يحدث .. فتبعت الصاروخ بعيني .. لينفجر في السماء.. فتنسدل لافتة طويييييلة من أعلى مكتوب عليها : أحبك يا سعاد.. ثم تنسدل أخرى فوقها مكتوب عليها : أعذري غبائي. فتنسدل أخرى : هل تتزوجين بي .. رفعت يدي ووضعتهما على وجهي وأنا لا أصدق ما أرى.. رفعت يداي من على وجهي لأعيد قراءة اللافتة وأتأكد إن كان عقلي لا يزال يميز بين الواقع والخيال .. أنزلت يدي من على عيني فوجدت هشام أمامي ..
هشام : واش تقبلي تتزوجي بي ؟؟
يااااااااااااااااااااااااااااااااه بعد تسع سنوات.. ولازال يسألني.. فراسك واش انت أحمق .. فعانقته بشدة وقلت اه اه اه والبكاء يخنق كلماتي.. بدأ الجميع يصفق. والتفت إليهم هشام يشكرهم على مشاركتهم في التمثيل .. فنهض أحدهم من تلك القلة التي لم تقف في البداية وقال : أوالله ارفلاون تفوخ التلفازة. ضحك عزيز وترجم لنا : قاليكم "والله إلاخرجات عليكم التلفزة". فضحك الجميع.. وبدأوا يرددون : الصلاااااااااااااااااااااااااا والسلااااااااااااااااااااااام علىىىىىىىىىىىىىىىىى رسول الله ...
أين الحب ؟؟
الحب ها هنا.. في اقتناعنا بحبنا لواحد فقط.. في خيالاتنا.. في إصرارنا.. في انتظارنا له مهما تجاهلنا .. في العطاء دون انتظار المقابل..
مع العلم أن ليس هناك حب إن لم تكن موقنا أن ذلك الشخص هو الشخص المناسب لك.
ـ ـ ـ
بعد أن قضينا أروع أيام حياتنا في فرنسا رفقة سعد وجلال وسلوى وبيهي ذهبنا إلى إيطاليا، كنا نتجول كأي عاشقين فإذا برجل يقصد سارة ويمد لها كتابا ثم انصرف.. ابتسمت متساءلا لماذا هي وليس أنا.. قلت له شكرا، فتحت سارة الكتاب وقالت لي ما هذا ؟ فلم تفهم شيئا مما كتب فيه، هي لاتزال تتعثر في الحروف العربية والكتاب بالانجليزية.. أخبرتها أنه كتاب الإنجيل .. في تلك اللحظة رن هاتفي .. بيهي يخبرني أن أن سارة لقيت إعجاب المجلس الإداري لمجلة نيوموض ووافقت عليها.. أخبرتها وهي واقفة حائرة..
الإنجيل بين يدي والحلم الذي لطالما تمنيته تحقق .. وكأنها رسالة ربانية أن أخرجي من ديني إن أردت أن تكوني عارضة أزياء.. نظرت إلى نوفل وقلت :
سارة : نوفل ..
نوفل : نعام احبيبة
سارة : مابيتش ..
نوفل : حشومة اسارة تخوي بالسيد والمجلة بعدما خسرو عليك فلوس الترانسبور ولوتيل .. على الأقل ديري معاهم صيونس وحدة ومن بعد قرري.
سارة : مابتيش يكون هادشي في يدي .. مابيتش نكون مسيحية ...
نوفل (واش حماقت هاذي ولا مالها ؟ ) : احبيبة راه حتى واحد ماغادي يفرض عليك شي حاجة ، وذاك السيد راه هير تايوزع هاذ الكتب على الناس تايدعي الناس للدين ديالو كيما تايديرو المسلمين حتى هوما..
سارة : لا هاذشي تايعني حاجة وحدة .. ملي تحط الكتاب بين يدي عاد جات الموافقة .. هادشي ماشي عادي .. مايمكنش يوقع هير هاكذاك .. وسعد قال لي حتى حاجة فهاد الكون ماتاتجيش هير هكذاك .. ماكايناش حتى شي حاجة هير صدفة.. كلشي مخطط ليه ومتقون.
ما أغبى الانسان..!! لا يمكنني ابدا أن اعبر لها عما افكر فيه.. فغباءها بالنسبة لي ذكاء بالنسبة لها، ولا أحد منا لم يختبر بعد الموت ليأتينا باليقين.. لذا فمن الغباء ان أنعت تفكير المسلمين بالغباء.. لكن خوفي أن تصر سارة على تطبيق كل تعاليم الاسلام.. فتطلب الطلاق مني لأني لست على شريعتها.. لا أرى أي عدل في هذا لكني لن أتدخل في أي قرار مهما كان.. وسأدعها تحب الله الذي أرسل محمد كما تشاء.. إلى أن يكون هذا الإله ضدي.. هناك سينتهي بالنسبة لي حرية معتقد. لأنه سيكون حينها يحارب حبي، ويحاربني. أنا في مكاني لم أتدخل يوما في أي شيء يخصه.. فكيف له أن يأتي هو عندي.. أتمنى ان يحافظ رب المسلمين على مسافة التعايش التي بيننا وألا يجعل سارة تطلب الطلاق مني بسبب الدين.
.. عدنا إلى المغرب وقد قررت سارة أن ترتدي الحجاب.. حاولت معها أن لا تتسرع وأن تأخذ وقتها لكنها تبدو مقتنعة جدا بقرارها .. حتى أنها وضعت على رأسها "كاشكول" .. تخلت عن حلمها الذي كبرت معه منذ الصغر وهي تقول : من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه. غريبة هذه الحياة والإنسان أغرب.. أنا الذي لا أؤمن بأي دين تتحجب زوجتي..
أين الحب ؟؟؟
الحب هاهنا .. في عقولنا.. حين نتقبل الآخر بكل تناقضاته مع معتقداتنا ..
الحب في أرواحنا حين نثق في من نحب مهما كان ماضيهم مليئا بالأخطاء..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق