2017-01-07

أين الحب ـ الجزء 9



كنت أبحث منذ دوما عن شباب يحملون هم الوطن ، ويؤلمهم أن يحتل المغرب المراتب الأخيرة في كل المجالات ... ، لكني دائما ما ألتقي بأناس سطحية، منتهى اهتماماتهم آخر صيحات الموضة وأخبار النجوم ..
أما هؤلاء المنتمون إلى التيارات الفكرية في الكلية فلا أراهم يعنون أو يؤمنون بما يقولون ، فهمهم الأكبر أن يستقطبوا الناس أكثر من أي مصلحة عامة أخرى .. لذا كنت أبحث عن من يحمل هم الوطن بلا انتماء، وهؤلاء نادرون في دولة يستنسخ تعليمها مواطنين أقصى أحلامهم وظيفة عمومية ومنزل وزواج ... الأحزاب تساعد المحظوظين منهم ليكونوا شخصيات أفضل بقليل من تلك النماذج المستنسخة، لكن للأسف تتخندق في إيديولوجيتها وتتعصب لها حتى ماعادت تنظر أو تعترف بمن يخالفها الفكر والرأي ...
ذات يوم وجدت منتدى مغربي على الأنترنيت ، يحمل أفكارا مثل أفكاري، بناء الوطن يبدأ من الشعب ، نحن الشباب يمكننا أن نصنع الفرق ، وأروع مافيه أنهم شباب لا تجمعهم إيديولوجية واحدة ، بل أجمل مافيهم أنهم يحملون مشروعا واحدا رغم اختلافهم ، وهذا اكثر ما ينقص أهل هذه البلاد. لم إتردد في التسجيل باسمي الحقيقي : نوفل الواسدي ،
وكان إول عضو في المنتدى يجلب انتباهي إليه ، هو جلال النّير ، كانت كلماته صادقة جدا ، وكنت إجد فيها الكثير مني ، كان يجيد التعبير عن إفكار الأغلبية على ما يبدو ، فقد كانت مواضيعه الأكثر زيارة في المنتدى .. وكانت حقا أفكاره إبداعية ، لديه مشاريع كثيرة ، يكاد القارئ منا يلمس حماسه من كلماته ، تواصلت معه على الخاص ، لم يتأخر في الرد ، ربما هو الآخر شعر بشغفي للقاء أمثاله ... استطعت تمييزه  من  بين الناس رغم أني لم أره قبل ذلك اليوم في مقهى المسيرة في الرويضات .. ، عرفته بين كل الجالسين من كتاب "ونحن نبني حضارتنا" الذي في يده ، وتلك اللحية الخفيفة على ذقنه ، تماما مثلما تخيلته ، هو مؤمن بالإسلام حد النخاع ، ومنفتح على بقية الإيديولوجيات حد الاحترام ، كما فهمت عنه ، هو لا يحترم من لا يُعمل عقله ولو كان يؤمن بنفس ما يؤمن به هو .. لذا لم أر أي جدار بيني وبينه و أنا اللاديني ، أؤمن أن هناك إله في الوجود لكني لا استطيع أن أصدق أي شيئ جاء من السماوات .. كنت واثقا أنه سيتقبلني ... لأن أكثر ما كان يهم جلال هو العمل للصالح العام ..
جلسنا حوالي ساعة ونصف ونحن نتعارف .. ويكاد كل منا لا يصدق أنه وجد الآخر .. قال أنه أحبني في الله ، أحببت ذلك لأني أنا أيضا أحببته هكذا فقط، وكأني أعرفه منذ زمن بعيد أو في حياة أخرى . هو نفس الشعور المتبادل بيننا .. وكل منا فسره حسب ما يؤمن به .
_ _ _
مثل باقي طلبة الكلية سمعت ورأيت الحب يمشي على قدميه في شخص سعد و سلوى .. كنت أرى في عينيهما أملا بأن الحب موجود ، وبأنه يحيطنا من كل زاوية ، يكفي فقط أن نبحث عنه ، كانا قدوة لي ، سلوى كانت تحضر مجالس الذكر معنا ، وكانت تتقن الدفاع عن حبها وطريقتها فيه كلما هاجمتها إحدى الأخوات في الحركة ، كانت تقول بكل قوة : أنا ماعندي مانخبي، واللي تانديرو بوحدي تانديرو قدام الناس . حيت أنا تانعبد الله ماشي بنادم ..
سلوى كانت رائعة حقا ، قوية الشخصية ، مليئة بالحماس والطاقة والإيمان بما تفعل ، كانت الأخوات يغرن منها ومن حب سعد لها ، و يحسدنها على استمتاعها به بلا خوف ، كانت جٍرٍّيئة بأن تكون هي نفسها  دون الحاجة إلى التمثيل على نفسها أو على أحد ، ولم تكن في حاجة لكتم صوت الهاتف حين يرن حبيبها ، ولا للتسلل من بيننا خلسة للقاءه في مكان متوار عن الأنظار ، كانت الأخوات يعلمن أن سلوى مهما فعلت فهي أفضل منهن ..
أما أنا فلا أهاجمها رغم اني لا أملك حبيبا .. بل بالعكس، كنت أدعم ما تقول بإيماءات رأسي، ففي قرارة نفسي أريد أن أكون شبيهة لها، وغدا حين أجد حبيبي سأفعل مثلها، سأجعل العالم أجمع يعلم كم نحب بعضنا ، فكنت أبحث عنه في كل مكان .. أبحث عنه بكل ما في من جنون وحمق وسذاجة .. انفتحت على  كل الطلبة في الكلية لعلي أجده في غير صفوف المتدينين ، فسعد محترم وخلوق رغم أنه ليس من أبناء الحركة.. لم يعد الدين مقرونا بالأخلاق للأسف ..
ذات يوم كنت أراقب سعدا وسلوى وهما يمران في الساحة ، فرأيت شابا هناك يراقبهما بشكل ملحوظ أكثر من البقية ، ذلك الشاب وكأنه جاء للكلية لأول مرة ، فأنا لم أره من قبل .. وجدتني أراقب مراقبته لهما .. ثم وجدتني مشدودة إليه ..
فصرت في كل مرة أبحث عنه ، لأراه فقط ، لا أكثر ، أكون سعيدة جدا لمجرد المرور قربه ، ولو لم يعرف ذلك ، ولو لم يهتم بي ، يكفيني إن كتفينا تلامسا ..
ظللت أشهرا وليالي وأنا أدع الله أن يكون لي حبيبا ، وذات يوم وأنا أعمل على أن أصنع القدر ليجمعني به ، رأيته يدخل إلى المكتبة التي تتواجد أمام السملالية ، فدخلت خلفه، فتقصدت أن آخذ دوره كي ألفت انتباهه ويراني ..
أنا (متجاوزة هشام) : عافاك ارشيد دير لي واحد الفوطوكوبي ، (وأعطيته بطاقتي الوطنية) .
نظر إلي هشام ، وكانت أول مرة تقع عيني في عينيه، شعرت بالأرض قد تجمدت حركاتها .. وبالشمس أسدلت أشعتها.. وكأن زلزالا حل بالمكتبة، لا شيء في مكانه، إلا تلك العينين العسليتين. أحببته اكثر، عرفت أني خلقت من أجله وخلق من أجلي .. ازددت يقينا أني أحبه حقا .. فلطالما كانت العيون أكثر صدقا .. عيناه قالت لي أنه أعجب بي .. أخذت بطاقتي ونُسْختها وخرجتُ من المكتبة متجهة نحو الكلية .. لم ألتفت خلفي، لكني كنت أشعر بدفئه يتبعني .. قال :
هشام (مناديا) : سعاد.
توقفت واستدرت مثقلة وكأني أحمل جبالا على عاتقي .. : تاتعرفني ؟
هشام : لا هي شفت سميتك فلاكارط .
سعاد : شنو ؟
هشام : ممكن دقيقة من وقتك ؟
سعاد : دابا انا غادة نقرا .. مرة أخرى ان شاء الله ..
هممت بالذهاب ثم استدرت لأقول : انا خارجة مع 18 .. وانت ؟
هشام (مبتسما) : حتى انا . صافي الستة نتلاقاو .
ذهبت وانا اكاد اطير فرحا .. لقد اعجب بي اكيييييييييييييييييد .. السادسة سنلتقي ..
ـ ـ ـ
دخلت إلى القرية ووجدت أبي ينتظرني .. فرحت لأنه لا يحتضر، لكن نظراته أرهبتني حد الموت .. اقتربت منه لأسلم عليه ، فإذا باليد التي ستعانقني تضربني بقوة على وجهي ..
وقال : إسكم سافضح اتغرت ، نيغد أيي تشهوهت خ توزومت نميدن .. ؟؟؟
فعلمت أنها الحرب على الحب .. مع تلك الصفعة أزددت حبا لسعد ، وإصرارا على أني سأجعلها قصة لا تنسى .. وسأتزوج سعد مهما حدث ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق